مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
28
تفسير مقتنيات الدرر
وإنّما قال : « بَيْنَ يَدَيْه » مع أنّه قد مضى ؟ لأنّه إذا كان يأتي كتاب بعده وخلفه فالَّذي مضى قبله يكون قدّامه وبين يديه . فإن قيل : لم كرّر قوله : « مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه » ؟ فالجواب أنّه ليس بتكرار لأنّ في الأوّل معناه أنّ عيسى مصدّق التوراة وفي الثاني أنّ الإنجيل مصدّق التوراة . وذكر * ( [ هُدىً ] ) * مرّة أخرى لاشتمال الإنجيل على الإشارة بمقدم محمّد صلى اللَّه عليه وآله فيكون سببا لاهتداء الناس إلى نبوّة محمّد صلى اللَّه عليه وآله ولمّا كان أشدّ وجوه المنازعة بين المسلمين واليهود والنصارى في ذلك أعاده اللَّه تنبيها على أنّ الإنجيل كان هدى في هذه المسألة الَّتي هي أشدّ المسائل احتياجا إلى البيان . وإنّما خصّها * ( [ لِلْمُتَّقِينَ ] ) * لأنّهم هم المنتفعون بها دون غيرهم « 1 » * ( [ ولْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ ] ) * هذا أمر لهم . قيل في معناه قولان : أحدهما أنّ تقديره وقلنا : ليحكم أهل الإنجيل وحذف القول لدلالة ما قبله عليه من قوله : « وقفّينا » وذلك مثل : « والْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ . سَلامٌ عَلَيْكُمْ » « 2 » أي يقولون : سلام عليكم . والثاني أنّه كلام مستأنف أمر أهل الإنجيل لأنّ أحكامه لم ينسخ بعد وكانوا مأمورين بحكم الإنجيل في ذلك الوقت * ( [ بِما أَنْزَلَ اللَّه فِيه ] ) * أي في الإنجيل [ ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه ] قيل : إنّ « من » في الآية بمعنى « الَّذي » وهو إخبار عن قوم معروفين وهم اليهود والَّذين تقدّم ذكرهم عن الجبّائيّ . وقيل : إنّ « من » للجزاء أي من لم يحكم من المكلَّفين بما أنزل اللَّه فهو فاسق * ( [ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ] ) * فيكون معنى الفاسقين الخارجين عن الدين والكفر والظلم والفسق صفة لموصوف واحد وقيل : إنّ الأوّل في الجاحد والثاني والثالث في المقرّ التارك . قال العقال : وليس في أفراد هذه الثلاثة بلفظ يوحب
--> ( 1 ) فان المراد بالمتقين هاهنا وفيما أشبهه من الموارد ليس من يعمل بوظائفه الدينية حتى يتوهم توقف تأثير الدين على نفسه بل المراد من يكون عقله مستضيئا عن نور التقوى ، غير محجوب بأستار اللجاج والعناد مع الحق كما في أمثال أبى جهل الذين جحدوا بآيات اللَّه واستيقنتها أنفسهم . ( 2 ) الرعد : 23 - 24 .